مؤلف مجهول
56
الإستبصار في عجايب الأمصار
نرجع الآن إلى حديث الثلمة : قيل فلما كان في زمان المأمون بن هارون الرشيد ، وفرغ من حرب التيماء وأقام بمصر « 1 » ، أراد هدم الأهرام ، فعرفه بعض شيوخ المصريين أن ذلك غير متمكن ، وقال له ولا يحسن بأمير المؤمنين أن يطلب شيئا ولا يبلغه « 2 » ؛ فقال له لابد أن أعلم ما فيها . ثم أمر بفتح هرم من أعظم الأهرام ، ففتح فيه ثلم من جانبه الشمالي ، لقلة دوام الشمس على من يعمل فيه ؛ فلما ابتدءوا عمله وجدوا حجرا صلدا يكل فيه الحديد . فكانوا يوقدون النار عند الحجر ، فإذا حمى رش بالخل ورمى بالمنجنيق فزبر الحديد ؛ وأقاموا على ذلك أياما حتى فتحوا الثلمة التي فيه الآن ، فمنها يدخل إلى ذلك الهرم . ووجدوا بنيانه بالحديد والرصاص « 3 » ووجدوا عرض الحائط 20 ذراعا ؛ وبالقرب من الموضع الذي فتحوا مطهرة من حجر أخضر فيها مال على حول الدنانير العريضة ، وزن كل دينار منها 27 مثقالا وثلثي مثقال . فقال المأمون زنوه فوزنوا الجملة فوجدوا فيها مالا معلوما ، وكان المأمون رحمه اللّه فطنا ، فقال رحمه اللّه ارفعوا ما أنفقتم على فتح هذه الثلمة ، ففعلوا فوجدوه موازنا لما وجدوا من المال . فعجب أمير المؤمنين من ذلك ، ومن معرفتهم بالموضع الذي يفتح منه ذلك الهرم على طول الزمان ، وازداد في علم النجوم يقينا . قال فمشى المأمون حتى دخل الهرم ، ومشى فيه فوجد صنما أخضرا مادا يده وهو قائم فلم يعلم خبره . ونظر إلى الزلاقة والبئر الذي في الهرم ، وأمر بالدخول والنزول فيه . قال فنزل فيه قوم من رجاله من درجة إلى درجة حتى أفضوا إلى صنم أحمر ، عيناه مجزعتان سواد في بياض كأنهما حدقتا إنسان ينظر إليهم ، فهالهم أمره وقدروا أن له حركة ، فجزعوا منه فخرجوا وعرفوا أمير المؤمنين الحال . قال فجرأه ذلك على طلب مخابىء كثيرة . ويقال إنه وجد فيه مالا كثيرا .
--> ( 1 ) أنظر ابن وصيف - شاه ، الترجمة ، ص 210 . كان حضور المأمون من الشام إلى مصر سنة 216 ه - 831 م عقب قيام ثورة محلية . ابن الأثير ، ج 6 ص 296 ؛ السيوطي ، حسن المحاضرة ، ج 2 ص 196 . ( 2 ) من الغريب أن هدم هذه الآثار الشهيرة كان مجالا لتفكير ملوك مصر الذين غلبت عليهم فكرة وجود كنوز مدفونة فيها . وحسب عبد اللطيف ( ص 96 ) حاول عثمان بن صلاح الدين سنة 593 - 1196 هدم واحد من الأهرامات الصغيرة ، ليستعمل حجارته في بعض مشاريعه العمرانية ، ولكنه اضطر إلى العدول عن هذه المحاولة الصعبة ( المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 115 ) . ( 3 ) هنا ينتهى الخرم الأول الموجود في مخطوط البكري ( أنظر هامش 2 ص 50 ) .